المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما كان من أمر قابيل بعد أن قتل هابيل



دمي ولا دمعة أمي
26-06-2007, 02:41 PM
ما كان من أمر قابيل بعد أن قتل هابيل



ماذا حدث بعد أن قتل قابيل هابيل؟ كيف استطاع قابيل أن يتخلص من جثة أخيه؟ وقع في حرج عظيم, ولم يدرِ كيف يصنع: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ} (المائدة: من الآية: 31) {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} بعث الله أي: أرسل, وساق غرابًا, الغراب: هو هذا الطائر المعروف.



ولعلك تتساءل عن الحكمة في أن المبعوث هو هذا الغراب دون غيره من الطيور؟ ولعل السبب في ذلك أن الغراب يُتشاءم به في الفراق والاغتراب, أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء.



{يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} أي: ينبش التراب بمنقاره, ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض؛ ليعمل ما يشبه الحفرة, والتعبير هنا بالمضارع؛ للدلالة على أنه مكث مدة من الوقت يبحث في الأرض, ويحفر فيها حتى حفر حفرة, وكأنه بهذا يشير إلى قابيل أن يصنع هذا الصنيع, وأن يحفر مثل هذه الحفرة حتى يضع أخاه فيها, ثم يحثو عليه التراب.



أما قوله: {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} أي: ليبين له الطريقة التي يستطيع بها أن يواري هذه الجثة, وهذا الجسد, وقيل: المراد بالسوءة هنا العورة؛ لأن منظرها حين تُكشف يسوء من ينظر إليها, وإنما خصها بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها؛ لأن سترها آكد, ولأن في ذكرها هنا في هذا المقام من التأنيب, والتوبيخ لهذا القاتل الكثير, والكثير: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ}.



لكن يبقى لنا: هل بعث الله غرابًا واحدًا فحفر هذه الحفرة, ووضع فيها شيئًا ثم جاء بالتراب فغطاها؛ ليبين لقابيل كيف يصنع, أو أن الأمر على غير ذلك؟

يقول الإمام القرطبي: قال مجاهد: بعث الله غرابين, فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر, ثم حفر فدفنه؛ فتعلم قابيل ذلك من الغراب, وكان ابن آدم هذا أول من قتل, وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه أي: أكله ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه؛ لأنه من عادة الغراب فعل ذلك, فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه.



وروي أنه لما مات هابيل تركه أخوه بالعراء, ولا يعلم كيف يدفن, فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا, فقتل أحدهما صاحبه, فحفر له ثم حثا عليه أي: التراب, فلما رآه قال: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي}.



وعن ابن عباس قال: جاء غراب إلى غراب ميت, فحثا عليه من التراب حتى واراه فقال الذي قتل أخاه: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي}.



وعنه -رضي الله عنهما- أيضًا قال: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله غرابين, فرآهما يبحثان أي: ينقبان في الأرض فقال:{أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} فدفن أخاه.



إذن: فهناك اتجاهان في كيفية هذا الدفن, وكيف تعلم قابيل كيف يواري سوءة أخيه:



أولهما: أن غرابًا واحدًا -كما جاء في الآية- هو الذي جاء, فحفر حفرة سواء حفر هذه الحفرة وتركها, أو وضع فيها شيئًا, ثم واراه وحثا عليه التراب, فعلم وتعلم قابيل منه هذا الذي صنع؛ ففعل بأخيه كما رأى, أو أن غرابين جاءا إليه, فقتل أحدهما الآخر, أو جاء غراب يحمل غرابًا آخر ميتًا, فحفر له ووضعه في هذه الحفرة, وألقى عليه التراب, فتعلم قابيل منه ذلك, كل هذا جائز وإن كانت الآية قد نصت أن الله قد بعث غرابًا يبحث في الأرض ليتعلم قابيل كيف يواري سوءة أخيه.



وهناك من يقول: بأنه لما قتله ندم, فضمه إليه حتى أروح أي: ظهرت رائحته, وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمى به فتأكله, وهذا من البلاء العظيم الذي امتُحن به هذا القاتل في أنه بعد أن فعل فعلته, ورأى ما حدث لأخيه -هذا الرجل الصالح الطيب الناصح الأمين- لم يدر ماذا يصنع؟ وأخذ يدور به يحمله على كتفه, وظهره يحاول أن يصنع شيئًا يداري ويواري هذا الجسد, وهذا الميت, وهذا القتيل إلى أن أرسل الله له الغراب؛ ليتعلم منه كيف يواري سوءة أخيه, فلما رأى هذا الصنيع قال ما ذكرته الآية, وتلوناه عدة مرات: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي}.



قوله: {يَا وَيْلَتَا} أصلها: يا ويلتي, وهذه الكلمة كلمة جزع وتحسر, تستعمل عند وقوع البلاء العظيم, وكأن المتحسر ينادي ويلته أي: ما يلحقه من الويل والهلاك, ويطلب حضور ذلك, وينزِّل ذلك منزلة من ينادَى, وهذا لا يكون إلا في أشد الأحوال ألمًا, ومعنى الويلة وهي كالويل: الفضيحة والبلية والهلاك, فكأنه ينادي ذلك كله, يقول: هذا هو الأوان الذي يجب أن يحضر فيه هذا الويل لما اعتراني من هذا البلاء الشديد, ثم يتعجب من حاله فيقول: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِيْ} يعني: هل وصل بي الحال إلى أني عدِمتُ الحيلة, ولم أهتد لكيفية مواراة سوءة أخي حتى جاء هذا الغراب يعلمني بما صنع كيف أصنع؟



فهو يتعجب من حاله, ويلوم نفسه أنه قد وصل إلى هذا الحال؛ فأصبح من النادمين, والندم أسف يدل على التحسر, كما يقول الإمام الراغب: الندم والندامة: التحسر من تغير رأي في أمر فائت, قال تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ} وأصله: من منادمة الحزن له, وملازمته إياه أي: بأنه حين قتل أخاه بغيًا, وحسدًا أصبح من النادمين على ما اغترف من هذه الفعلة الشنيعة.



يقول صاحب (المنار): والندم الذي ندمه قابيل هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل فعله, إذا ظهر له أن فعله كان شرًّا له, لا خيرًا, وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله, والتألم من تعدي حدوده, وقُصد به الرجوع به, وهذا هو المراد بحديث: ((الندم توبة)).



ثم يقول: وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة, وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعًا: ((لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم كفل -أي: نصيب من دمها)) لأنه أول من سن القتل.



إذن: لم يكن الندم الذي كان من ابن آدم, وهو قابيل ندمًا ناشئًا عن توبة, ورجوع إلى الله, واستغفار مما كان منه, إنما هذا الندم هو الندم الذي يكون بعد فعل؛ لأنه لم يكن يتوقع أن يترتب عليه من الآثار ما ترتب, فهذا هو الذي نراه في قوله: {فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ}.



تعقيبًا على هذا الذي كان, وهذه القصة يقول ربنا: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32).



ولنا مع هذه الآية, وما فيها من تعظيم حرمة النفس الإنسانية, وما جاء في ذلك من بعض الأحاديث, وأقوال السلف لقاء آخر بإذن الله.



وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه.

المتنبي الصغير
26-06-2007, 10:52 PM
موضوع رائع اختي دمي
يعطيك العافية
وجزاك الله كل خير
تسلمين يا قمر

دمي ولا دمعة أمي
26-06-2007, 11:51 PM
موضوع رائع اختي دمي
يعطيك العافية
وجزاك الله كل خير
تسلمين يا قمر


اسعدني مرورك العطر ولا حرمنا الله الأجر

ريان تنومة
27-06-2007, 12:10 AM
صراحه موضوع جميل يعطيك العافية

تقبلي مروري وتقديري

ريان

دمي ولا دمعة أمي
27-06-2007, 12:11 AM
صراحه موضوع جميل يعطيك العافية

تقبلي مروري وتقديري

ريان


اسعدني تواجدك ومتابعتك الى مواضيعي ونسال الله ان لا يحرمنا الأجر

ضوء القمر
28-06-2007, 11:11 AM
http://www.9m.com/upload/19-03-2007/0.11101174313634.gif



أخوكـ

ضوء القمر

دمي ولا دمعة أمي
07-07-2007, 01:42 AM
http://www.9m.com/upload/19-03-2007/0.11101174313634.gif



أخوكـ

ضوء القمر


اسعدني مرورك العطر يا غلا